Tag: الاعلام والمنظومة الأخلاقية

  • كيف تؤثر الدراما والإعلام في ثقافة المجتمع ؟

    تأثير الإعلام والدراما في تشكيل المنظومة الأخلاقية وثقافة المجتمع

    أصبحت وسائل الإعلام والدراما ، عنصرًا فاعلًا في تشكيل الوعي  والمنظومة الأخلاقيه في المجتمع  وتحديد ما يُعد مقبولًا أو مرفوضًا داخل المجتمع. ولم يعد تأثير الإعلام مقتصرًا على نقل الأحداث، بل امتد ليشمل إعادة إنتاج القيم والمنظومة الأخلاقية، لا سيما في ما يتعلق بمفاهيم العقاب، والكرامة.

    وفي هذا السياق، تثير واقعة متداولة مؤخرًا بقرية ميت عاصم التابعة لمركز بنها بمحافظة القليوبية تساؤلات جوهرية حول العلاقة بين الإعلام وثقافة العقاب المجتمعي، ودور الدراما في تطبيع أنماط من الإذلال العلني بوصفها وسيلة للردع أو استعادة “الهيبة”وإعادة تشكيل المنظومة الأخلاقية.

     الواقعة وأثرها علي المجتمع

    خلال الأيام الماضية، تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يُظهر شابًا يسير في أحد شوارع قرية ميت عاصم مرتديًا ملابس نسائية، وسط حالة من الجدل الحاد والغضب المجتمعي، وتضارب الروايات بشأن ملابسات الواقعة.

    وبعيدًا عن تفاصيل الحدث واسبابه ، تطرح الواقعة سؤالًا أكثر عمقًا:
    كيف أصبح الإذلال العلني وسيلة “مفهومة” أو مقبولة لدى البعض كأداة للعقاب في المجتمع؟

    تأثير الإعلام علي المنظومة الأخلاقية

     نظرية الغرس الثقافي وتأثير الإعلام علي المجتمع

    لفهم هذا التحول، يمكن الاستناد إلى نظرية الغرس الثقافي التي وضعها الباحث جورج جربنر، والتي تفترض أن التعرض المتكرر للمحتوى الإعلامي والدراما لا يعكس الواقع بقدر ما يعيد تشكيله في وعي المتلقي.

    وفقًا لهذه النظرية، فإن ما يتكرر عرضه في الإعلام والدراما يتحول تدريجيًا إلى إطار مرجعي يحددما هو طبيعي في المجتمع و ما هو مشروع في المجتمع وما هو مقبول اجتماعيًا ويرسم المنظومة الأخلاقية.

    وبذلك، لا تُقاس خطورة المحتوى الإعلامي بحدث واحد، بل بتراكم الرسائل الضمنية عبر الزمن.

    دور الإعلام والدراما في تشكيل المنظومة الأخلاقية

    تتشكل ثقافة المجتمع من تفاعل  بين الإعلام، والدراما، والفنون، والتعليم، والخطاب العام. إلا أن الإعلام المرئي، خاصة في العصر الرقمي، أصبح أكثر هذه العناصر تأثيرًا في المجتمع .

    فعندما تتكرر في الأعمال الدرامية أنماط مثل الإذلال العلني بوصفه وسيلة لاستعادة الكرامة و التشهير باعتباره ذروة درامية أو أداة ردع بالإضافة إلي ربط الرجولة بالسيطرة الرمزية وكسر الخصم و اعتبار الفضيحة عقوبة اجتماعية مستحقة

    فإن هذا التكرار يسهم في تطبيع هذه الممارسات وإعادة تشكيل المنظومة الاخلاقية  داخل المجتمع، حتى وإن كانت مرفوضة قانونيًا وأخلاقيًا.

    الإطار القانوني في التأثير السلبي للإعلام

    1️⃣ من منظور حقوق الإنسان

    في حال ثبوت صحة الروايات المتداولة، فإن الواقعة تمس عددًا من الحقوق الأساسية، أبرزها:

    الحق في الكرامة الإنسانية و الحماية من المعاملة المهينة أو الحاطة بالكرامة والحق في السلامة الجسدية والحق في الخصوصية وأخيرآ الحماية من التشهير

    وتنص المادة (5) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حظر المعاملة المهينة، كما تؤكد المادة (12) على حماية الخصوصية وعدم التعرض للتشهير أو الاعتداء على السمعة.

    2️⃣ في القانون

    الاختطاف جريمة يعاقب عليها قانون العقوبات

    الاعتداء البدني جريمة

    التشهير وانتهاك الخصوصية مجرّمان بموجب قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات

    الدستور  يكفل صون الكرامة الإنسانية وعدم المساس بها ويؤكد هذا الإطار أن العقوبة  اختصاص حصري للقانون، لا للأفراد أو الجماعات.

     الإعلام وثقافة العقاب المجتمعي

    وفقًا لمنطق الغرس الثقافي، فإن التكرار يصنع تطبيعًا.

    وعندما يتعرض الجمهور لسنوات طويلة إلى محتوى يتضمن:

    إذلال الخصم علنًا و تصوير التشهير كوسيلة رد اعتبار بتحويل العقوبة إلى عرض جماهيري

    فإن هذه الصور تعيد تشكيل الإدراك الجمعي لما يُعد “عقوبة مقبولة”.

    ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد العقاب مجرد فعل، بل أصبح مشهدًا، حيث يتحول تصوير الواقعة ونشرها إلى جزء لا يتجزأ من عملية الإذلال ذاتها.

    كيف يساهم الإعلام في تطبيع ثقافة العقاب المجتمعي

    إن معالجة هذا النمط من الوقائع لا يمكن اختزالها في تدخلات قانونية منفردة، بل تتطلب مقاربة شاملة تتكامل فيها الأبعاد القانونية والإعلامية والثقافية.

    فالتدخل القانوني السريع والحاسم يرسخ فكرة سيادة القانون، لكنه يظل غير كافٍ ما لم يُصاحبه:

    • خطاب إعلامي مسؤول
    • وعي مجتمعي راسخ
    • وبحوث اجتماعية وقانونية معمقة

    ففهم أسباب تحوّل العقاب المجتمعي إلى الإذلال والتشهير يُعد شرطًا أساسيًا لمعالجة الظاهرة.

    الواقعة محل الدراسة لا تُقرأ بوصفها حدثًا فرديًا عابرًا، بل باعتبارها مؤشرًا على تحولات ثقافية أعمق داخل المجتمع.

    فعندما يتحول الإذلال إلى وسيلة للعقاب،
    ويتراجع الاحتكام إلى القانون،
    نكون أمام أزمة حقيقية في الوعي الجمعي.

    حماية الكرامة الإنسانية لا تبدأ من قاعة المحكمة فقط،
    بل من الثقافة التي تُشكّل تصورنا لما هو مقبول وما هو مرفوض.